الشيخ محمد علي السايس

30

تفسير آيات الأحكام

وقد ذكر أهل الأخبار ونقلة المفسرين أخبارا في تفسير هذه الآية مؤداها أن هاروت وماروت أنزلا ليحكما بين الناس ، وركبت فيهما الشهوة ، فزنيا ، وشربا الخمر ، وكفرا ، فخيرهما اللّه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، فعلّقا ببابل يعلمان الناس السحر . وهذه الأخبار لم يرد منها شيء صحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما هي من كتب اليهود ومن افترائهم ، فكما افتروا على سليمان ، كذلك افتروا على الملكين . وهذه الأخبار قد انطوت على عدم عصمة الملائكة ، وجلة العلماء على عصمتهم لقوله تعالى : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] وقوله : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 ) [ الأنبياء : 19 ، 20 ] وغير ذلك من الآيات ، ومما يدل على عدم صحة هذه الأخبار أن أصحابها يزعمون أن هاروت وماروت قد اختارا عذاب الدنيا فعلّقا ببابل ، وأن امرأة في زمن السيدة عائشة رضي اللّه عنها قد ذهبت إليهما ، وتعلمت منهما السحر ، وجاءت تستفتي هل لها توبة ؟ وبابل بلدة قديمة كانت في سواد الكوفة ، وقيل : الكوفة على قول المفسرين ، أو هي بلدة في الجانب الشرقي من نهر الفرات ، بعيدة عنه على قول علماء التاريخ . وهذه الجهات ليست من الأماكن المجهولة التي لم تطرق ، بل هي أماكن معروفة قد طرقها الناس في القديم والحديث ، ولم يعثر أحد على هذين الملكين هناك . وقد رأيت أن ما جاء في الآية من ذكرهما لا يلزم أن يحمل على ما جاء في هذه الأخبار ، بل يصح أن يحمل على ما حملنا وحمله جملة من المفسرين عليه . ما يؤخذ من الآية من الأحكام يؤخذ من الآية أنّ عمل السحر كفر . لقوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أي : من السحر ، وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي بعمل السحر وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا أي به وبتعليمه وهاروت وماروت يقولان : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ . وهذا كله يدل على أنّ السحر كفر ، وهو قول مالك وأبي حنيفة . وذهب الشافعيّ إلى أن السحر معصية : إن قتل بها قتل . وإن أضرّ بها أدّب على قدر الضرر . والحق الأول لما تدل عليه الآية ، ولأن السحر كلام يعظّم به غير اللّه تعالى ، وتنسب إليه المقادير والكائنات . واعلم أنه إذا جعل السحر ضربا واحدا ، وكان كله تعظيما لغير اللّه ، وكان فيه إسناد الحوادث للكواكب ، جاز إطلاق القول بكفر الساحر ، وهو قول الجمهور . أما إذا كان السحر ضروبا ، ومن ضروبه السعي بالنميمة والإفساد بالحيل - كما